كنت اليوم في إحدى المحاضرات التي تقام في جامعتي بمناسبة شهر رمضان ..
كانت لأحد الدعاة المعروفين ، و من أصحاب الكلمة المسموعة والحضور القوي .. ويشهد على ذلك امتلاء المسرح بالطالبات ..
أسأل الله أن يثبته ويبارك فيه ..
اممم..
ما دفعني لتدوين هذه المدونة هو جملة قالها ، ليست جملة .. هي فكرة منتشرة بشكل كبير .. تجسدت في هذه الجملة .
كان يحكي قصة رجل يعرفه من أهل الخير والصلاح ، ممن يسارعون في الخيرات ويدعون للخير وغيره ..
قال عنه :” والله يا أخواتي مرة كنت معه في إحدى المطارات ، لم يكن يتأخر لحظة واحدة في نصح هذا و الإنكار على هذا ، وتوزيع الأشرطة و النصح للمدخنين …… “ وما شابه هذا الوصف ..
توزيع الأشرطة ..
توزيع الأشرطة ..
توزيع الأشرطة ..
حسناً ، أنا هنا لن أسخر ولا أسخر أو أقلل من شأن أصحاب النوايا الحسنة ، والناس الطيبين الذين يتمنون الهداية لغيرهم “بكل طريقة ممكنة” ..
ولكن ..
أنا أرى أن هذا النوع من الأساليب لم يعد يأتي بالنتيجة المرغوبة ، إن لم يكن قد جاء بعكسها !
هذا النوع من الأساليب والذي يتجلى في توزيع الأشرطة ، الكتيبات ، المطويات ..
وما يتبعها من الاستعجال في انكار سلوك ما بطرق أصبحت تنفر أكثر مما تقرب ..
أسلوب التوزيع “الصامت” ، الذي يعتمد على المادة المكتوبة أو المسموعة ، والتي تكتب أو تلقى بلسان الداعية ، يجعل الأشخاص القائمين بهذا الدور “دور الموزع” يشعرون بنوع من ارتياح الضمير بأدائهم للواجب الدعوي ، وأنهم بإعطائهم هذا الكتيب أو الشريط قد أدوا ما عليهم من نصح وإنكار ، بينما إذا جئنا للواقع فأنا أجزم بأن 95% وربما أكثر من حالات التوزيع كان فيها مصير الشريط أو الكتيب هو الإهمال ، وهذا ما أراه بأم عيني منذ أن كنت في المدرسة وكانت توزع علينا كتيبات “الفلنتاين داي” وحتى يومي هذا.
قلة من الناس هم الذين يفكرون بفتح المطوية وقراءة ما فيها ، واذا أخذنا من هذه القلة القليلة نسبة الأشخاص الذين فكروا في فتح هذه المطوية ، ستكون نسبة المتأثرين بمحتواها -والذي غالباً يكون بنفس الأسلوب - أقل ..
وأما الشريط فحاله أسوأ من حال المطوية ، لأن عملية الاطلاع على محتوى المطوية أسرع وأسهل من عملية الاطلاع على محتوى الشريط ، وخاصة في وقتنا بعد تراجع أهمية الشريط أمام “الآي بود “وقارئ الأقراص وغيرها من الوسائل الأحدث ..
كما أن انتشار أسلوب “التوزيع الصامت” بشكل واسع بين أوساط المتدينين ، أصبح في فترة ما يسبب ردود أفعال عكسية ، منافية لما هو مطلوب من التوزيع أن يحدثه.
فأصبح شكل “المتدين” من بعيد يوحي للآخرين بأنه يحمل في أحد جيوبه مطوية أو شريط أو غيره ،ويجعل لسان حالهم يقول : هاهو قادم ليرمي علينا أوراقه ويمضي .. افرنقعوا !
ومع الوقت ، أحدث أسلوب التوزيع “الصامت” ، حاجزاً بين المتديين “الموزعين” وبين الآخرين ..
ففي حين كان الأولى هو إنشاء علاقات طيبة وفتح مجال لعلاقات تقوى مع الزمن وتجعل الفجوة بين الطرفين أقل وأقرب للزوال ، وتلغي الصورة النمطية السائدة ..
بنت هذه المطويات حاجزاً بين الطرفين ، وكونت صورة نمطية سيئة عن متدين منعزل لا عمل له سوى إخراج وريقات من جيبه وتوزيعها على من حوله كل بحسب الخطأ الذي يرتكبه !
أخيراً ..
من وجهة نظري الشخصية ..
في عصرنا الحاضر ، مع كلللل ما يحمله من مظاهر وواقع يختلف تماماً عما كان منذ عقود قريبة مضت ..
وفي وسط مجتمعات وأجواء تحسب على الانسان “المتدين” كل حركة وكل كلمة وكل نفس، وتنتظر أي زلة حتى تشير بأصابع الاتهام إليه ،
يحتم على كل من يعتبر نفسه “متدين” - “داعية” ، أو حتى مسلم يحمل مبدأه ورسالته بجدية ، أن يعيد التفكير ألف مرة في كل خطوة يخطوها تجاه أي شيء - كل شيء..
لا أريد أن يفهم كلامي على أن موقفي هو موقف ضعف وتردد وخوف من ردود أفعال تحد من الحركة والعمل ..
أبداً..
ولكن المؤمن “كيس فطن ” !
ما أعيشه من مواقف في كلية الإعلام.. في حياتي .. في كل يوم .. يثبت لي أن الفجوة التي نشأت بفعل العمل العشوائي والغير مدروس من قبل “بعض” أصحاب النوايا الحسنة فجوة كبيرة فعلاً ..
تحتاج لجهد مضاعف للردم ومن ثم التقريب..
\
لازلت أذكر يوم سألت الشيخ سلمان العودة في إحدى المحاضرات سؤالاً طلبت منه في نهايته نصيحة بسيطة لي عندما قررت دخول مجال الإعلام ..
قال ضمن الجواب عبارة ، قلبت مفاهيمي وغيرت الكثير ..
قال : “… مشكلتنا يا ابنتي أننا نتعامل مع الآخرين ضمن إطار (الناصح - والمنصوح ) ” !
ناصح ومنصوح !
الله يحفظك يا شيخ سلمان !
*عذراً إن جاءت بعض أفكاري غير مرتبة .. ولكنه حديث انهمر في الساعة الثالثة صباحاً ولم أستطع منع نفسي عن التفكير وثم الكتابة ! 