العلاقة بين الظاهر والباطن.. محور اختلاف كثير من طرق الناس في تفسير المواقف والأحداث والظواهر .. علمية كانت أم اجتماعية أم شخصية أم سياسية .. الخ.
هناك الكثير من النظريات التي وضعت والنظريات المناقضة لها التي تلتها والتي سبقتها أساسها اختلاف تفسير الناس للأشياء بناءً على الظاهر أو الباطن.
في الحقيقة الأمر قد يكون محيراً في كثير من الأحيان ، أحياناً قد تظن أن حل المشكلة الفلانية هو أن تتخلص من بعض المظاهر المتعلقة بها ، ثم تكتشف أن هناك جذوراً لم تتوقع أنها ستكون العائق الأساسي في حل المشكلة.
وأحيانا تظن أن الخير في التركيز على الباطن ، الداخل ، الجوهر .. أما الخارج فسيكون تبعاً له ثم تكتشف في مرحلة ما بأن الأمر ليس كما تصورت.
الأمر أحياناً يبدو لوهلة وكأنه “البيضة والدجاجة..من أولاً؟” ..
في الحقيقة أدهشتني بعض الأحاديث التي سمعتها في فترات متفرقة والتي تتحدث عن هذا الموضوع بطريقة مختلفة عما كنت أتصور.
مثلاً لفت نظري حديث قرأته ذات يوم ، عن أبي مسعود رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول : «استووا ،ولا تختلفوا ؛ فتختلف قلوبكم …..» رواه مسلم.
لا تختلفوا فتختلف قلوبكم ! كيف يكون اختلاف الصفوف سبب في اختلاف القلوب؟!
لو لم أقرأ هذا الحديث من قبل لما فكرت بأن اختلاف شيء شكلي جداً مثل الصفوف في الصلاة سيؤدي لاختلاف شيء جوهري جداً مثل اختلاف القلوب !
إذاً النتائج الصحيحة لا تكون دائماً بالتركيز على الجوهر والنية والقلب.. مهما كانت أساسية .. إن لم يعتنى بالظاهر والشكل والمظهر .. صحيح؟
إذاً الأمر لا يعود دائماً إلى “القلب” كما يظن البعض.. وليس الظاهر دائماً أمر شكلي.. إن اعتني به فبها ونعمت ، وإن لم يعتنى به فهو يبقى “أمر شكلي” !
حديث آخر ..عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه….).
عجيب ! لم أكن أظن يوماً أن الطريق لصلاح القلب يمكن أن يبدأ بشيء مثل اللسان !
بل على العكس.. ربما ظننت أنني اذا أردت التخلص من بعض الألفاظ يجب علي أولاً أن أبدأ بقلبي..
ولكن الأمر فعلاً كذلك ..
الموضوع إذا متصل بدائرة مستمرة ، تصلح القلب يصلح اللسان ، تصلح اللسان يصلح القلب..
لا شيء منفصل عن الآخر..
في مدارس علم النفس ، من المعروف أن هناك مدرستين أساسيتين في علم النفس بنيت أحداهما على إلغاء مبادئ الأخرى ..
مدرستي الاستبطان و المدرسة السلوكية..
الاستبطان تصب كل تركيزها في حل المشكلات النفسية على الباطن والداخل واللاشعور واللاوعي ، لا تقيم أهمية للسلوك الظاهر طالما لا يوجد له تفسير باطني..
السلوكية على العكس تماماً ، لا تأخذ أبداً بتحليل الظاهر وبالاستبطان وبماضي الشخص وأفكاره ، تعالج بناءً على ملاحظة السلوك الظاهري وتعديله ظاهرياً.
في علوم التنمية البشرية و البرمجة اللغوية العصبية ، يقولون أنك إذا أردت أن تنجح في أمر ما كرر كلمات نجاح معينة خلال فترات محددة ، وعند فعلك لذلك ستؤثر هذه الكلمات “الظاهرية” على عقلك “اللاواعي ” وستتصرف بناء على ما أقنعت به نفسك “ظاهرياً”.
عرفت في حياتي أشخاصاً تخلو عن بعض المظاهر ربما لأنهم رأوا أنها مجرد “مظاهر” لا علاقة لها بما في قلوبهم .. ولكن في الحقيقة أن التخلي عن بعض هذه “المظاهر” صاحبه تغيرات أخرى كثيرة في حياتهم ربما لم ينتبهوا لها..
في الحقيقة هذا الموضوع مازلت أقلبه في عقلي بين فترة وأخرى.. لأنني أشعر بأنني أحتاج أن أقرأ المزيد عن كل ما يتعلق به..