رمضان كم تغيرت..بل كم تغيرنا !

منذ زمن مضى كنا تزحف صغارا نحو قلعة حماة لنحاول رؤية هلال رمضان ، بالطبع لم نكن نرى سوى بعض النجوم والغيوم ، لكن جوا احتفاليا ساحرا كان يخيم علينا ، واحد فقط كبير في السن احترف رؤية هلال رمضان متوارثا تلك المعرفة أبا عن جد ، شخص من آل الأحدب ، بعين واحدة ، كان يراقب القمر طيلة سنة كاملة ليتمكن من تحديد مكان هلال رمضان ، ويشير اليه باصبعه أمام قائد الشرطة ، وقبل ان تعلن اذاعة دمشق ثبوت رؤية الهلال تكون الأخبار قد انتشرت في كل أرجاء المدينة .

بعد ان توفي هذا الفلكي البسيط أخذ معه سره الى القبر ، ومن يومها ، لم نعد نعرف كيف يتم اثبات هلال رمضان ، أصبحت المسألة أحجية ثقيلة .

في مخيلتنا الطفولية كان رمضان صندوقا يزدحم بالنجوم والصور والرموز التي تثير خيالنا وتنقلنا الى عالم مختلف .

كان رمضان حكاية ، فأصبح اليوم سلسلة من المسلسلات التلفزيونية العقيمة ، تستجدي المشاهد استجداء ، ليركب فوقها ما هب ودب من الدعايات الاستهلاكية تنقلك في غفلة منك الى السوق .

مراقبة هلال رمضان يكبر يوما بعد يوم كانت متعة ، كنا نشعر وكأن القمر مخلوق لرمضان ، من يفطن اليوم للنظر الى السماء؟

بالكاد كنا نسمع صوت المؤذن الجميل يؤذن للمغرب ، انصتوا قليلا تقول والدتي على مائدتنا البسيطة ، اليوم يقتحم صوت (بفلات) مكبرات الصوت العملاقة كل زاوية من البيت كصوت الرعد يجعل الأطفال يرتعشون من الخوف.

قبل الإفطار بساعة كانت الشوارع تخلو تقريبا ليصفو الجو لنا لنلعب الى أن نسمع صوت المدفع ، اليوم أصبحت الشوارع تصاب بلوثة من الجنون قبل الإفطار وكأن الإفطار سيهرب من الناس ويتركهم جائعين .

اذا صدف وكان حظك سيئا وركبت التاكسي في ذلك الوقت فستسمع من الصياح والشتائم وأصوات الزمامير ما يكفي لتتبخر كل الطمأنينة والسكينة التي يتركها صيام شهر لا صيام يوم .

تجار السوق يرون هلال رمضان قبل الجميع ، بالنسبة لهم لاشيء أجمل من رمضان لجني الأرباح الفاحشة في الدنيا أما الآخرة فيتركونها للفقراء بكثير من التسامح .

شهر الرحمة أصبح فرصة للانقضاض على جيوب عباد الله بدون رحمة .

النوم ، الكسل ، ضيق الخلق ، الطعام المبالغ فيه كثيرا ، الحلويات التي تسبب السمنة وتمهد للسكري ، التفرغ للمسلسلات التي تنتهي بلاشيء ولا تكاد تنتهي ، الغلاء ، ازدحام السير ، وأيضا …المهزلة في انتشار مسحرين في الحارات هم أنصاف شحادين وأنصاف نصابين ( يمتلكون الحاح الشحاد ولايمتلكون حياءه ) ليزعجوك مرتين ، مرة بايقاظك على أصوات قبيحة قبل السحور بساعتين ، ومرة أخرى حين يضربون الباب بعنف مطالبين بأجرتهم لقاء إزعاجهم .

آه يارمضان كم تغيرت …بل كم تغيرنا .

 

* مقالة كتبها والدي العزيز  ، مؤلمة يا أبي..مؤلمة .

التعليقات 3 على “رمضان كم تغيرت..بل كم تغيرنا !”

  1. بلسم علق:

    وأنا أقرأ ..في وجهي شيء من استغراب..
    أقول مو عادة هادية تكتب بكل هذا الهدوء والسكينة..وبعدين قلت يمكن منقول..
    وطلع صحيح : )
    الله يخليلك الوالد ويبارك فيه .. وحقا قال..
    كم تغيرنا .. تغير كل مافينا وماحولنا ياهادية..

  2. جوهرة علق:

    وأنا أقول بلاها هادية فجأة

    من كم يوم كنت اشوف برنامج وحده تحكي عن رمضانات سوريا زمان.. تمنييت اني عشت مثل هالفترة

    الله يخليلك عمو كم اقدره واعزه مثل ابوي : )

  3. هادية علق:

    بلسم:
    شو قصدك بـ “مو عادتي اكتب بهدوء وسكينة” !
    نورتي

    .

    جوهرة:
    وانتي التانية

    أنا ما بتذكر رمضان سوريا لاني كنت صغيرة ما كنت صوم ، بس بتذكر العيد :”(
    ياليت كل عيد ارجع صغيرة

أضف تعليقاً

                                              

Spam Protection by WP-SpamFree